غانم قدوري الحمد

71

محاضرات في علوم القرآن

فلم يجدها مكتوبة في أول الأمر ، وقد قال زيد في آيتي التوبة : « فألحقتها في سورتها » ، وقال في آية الأحزاب : « فألحقناها في سورتها في المصحف » . ومن النصوص الثابتة التي تؤكد أن إثبات ما أثبت في المصحف وطريقة ترتيبه إنما كان بأمر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وتوجيهه ، ولم يملك الصحابة إلا الأخذ به والمحافظة عليه ، هذه الرواية التي نقلها البخاري عن عبد اللّه بن الزبير قال : « قلت لعثمان بن عفان : وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً ( 240 ) [ البقرة ] قد نسختها الآية الأخرى فلم تكتبها ؟ قال : يا ابن أخي ، لا أغيّر شيئا منه من مكانه » « 1 » . فكل شيء من القرآن قد عرف مكانه ، ولا يملك أحد من الصحابة ، الخليفة فمن دونه ، أن يغيّر شيئا منه . وكان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ينهى عن خلط آيات السورة بغيرها ، ويأمر بقراءة آيات كل سورة على نحو ما قرأها وعلّمها للصحابة ، ومن ذلك ما روي عن بلال أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : مررت بك وأنت تقرأ من هذه السورة ومن هذه السورة ، فقال بلال : أخلط الطيب بالطيب ، فقال : اقرأ السورة على وجهها ، أو قال : على نحوها « 2 » . إن قراءة النبيّ صلى اللّه عليه وسلم للقرآن على مسمع من أصحابه ، في الصلاة وخارجها ، وحثه لهم على تلاوته ، وما عرف عنهم من كثرة قراءتهم للقرآن ، فكان بعضهم يختمه في ثلاثة أيام ، وأكثرهم يختمه في سبعة أيام « 3 » ، واشتهار أسماء سور القرآن بينهم ، واتفاقهم على ما تتضمنه من آيات دليل أكيد على أن ترتيب الآيات

--> ( 1 ) ابن حجر : فتح الباري 8 / 193 ، وينظر عن موضوع النسخ في الآية المذكورة : النحاس : الناسخ والمنسوخ ص 72 - 77 ، ومصطفى زيد : النسخ في القرآن 2 / 776 . ( 2 ) السيوطي : الاتقان 1 / 308 . ( 3 ) ينظر : الداني : البيان ص 321 وما بعدها .